أفنان صقر
الإنسان قبل "النظام"

نحن نعيش في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، وتتسابق فيه المؤسسات لتبنّي أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي والأتمتة، ولكن يبقى هناك سؤالٌ جوهريّ يغيب عن الكثيرين: أين يقع "الإنسان" في معادلة المستقبل؟

بصفتي ممارسة في مجال التنمية البشرية لسنوات، أدركت أن التطوير الحقيقي لا يبدأ من "تحديث المهارات التقنية" فحسب، بل يبدأ من ترميم الإنسان من الداخل. نحن نعيش في عصرٍ قد يمتلك فيه الموظف أحدث الأدوات، لكنه يفتقر إلى المعنى في عمله، وهنا تكمن فجوة التطوير الكبرى.

التطوير ليس "حقنة" معلوماتية!

يظن البعض أن التدريب هو مجرد ورشة عمل أو شهادة تُعلّق على الحائط، لكن العمق الحقيقي للتطوير يكمن في الوعي.

المهارة الحقيقية التي نحتاجها اليوم ليست فقط البرمجة أو التحليل، بل هي "المرونة الوجودية"؛ قدرة الفرد على إعادة تعريف نفسه وقيمته كلما تغيّر العالم من حوله.

صحيح أن سوق العمل اليوم يحتاج إلى المهارات أكثر من الشهادات، لكن الأعمق من ذلك أن السوق بات متعطشًا لما لا تستطيع الآلة فعله: التعاطف، الحدس القيادي، بناء جسور الثقة البشرية، والقدرة على ترك الأثر ...

إن مهارة "التواصل" ليست مجرد تبادل معلومات، بل هي قدرة على الوعي والإدراك بـ "المسكوت عنه" في بيئة العمل.

لطالما آمنت بأن المسار المهني ليس سباقًا نحو القمة، بل هو رحلة "اكتشاف الذات". وعندما نطالب الشباب بالبحث عن النمو بدلًا من الراتب، فنحن لا نطلب منهم التخلي عن الطموح المادي، بل نطلب منهم بناء "أصولاً" داخل أنفسهم، أصولٍ لا تخسر قيمتها أبدًا. قد يتلاشى الراتب مع تضخم العملة، لكن القيمة الشخصية هي العملة التي لا تفقد قيمتها أبداً.

رسالة إلى جيل التغيير

لا تجعلوا وظائفكم تحدد هويتكم، بل اجعلوا هويتكم هي من تضفي المعنى على وظائفكم. استثمروا في المهارات التي تجعلكم أكثر إنسانية، فالتميّز في المستقبل لن يكون لمن يملك أسرع معالج بيانات، بل لمن يملك أعمق رؤية وأصدق أثر.

نحن لا نطوّر الكوادر لنزيد الأرباح فقط، نحن نطوّرهم ليعيشوا حياةً تستحق أن تُعاش


بقلم: أفنان صقر

مدرّبة دولية في مجال التنمية البشرية والتطوير