د.عبير شاهين
دول الخليج بين دافوس يناير ودافوس الصيف: من الحوار إلى هندسة النمو المستدام

لم يكن دافوس يناير 2026 مجرد محطة حوارية في جبال سويسرا، بل مثّل اختبارًا ناضجًا لقدرة العالم على تحويل التعقيد إلى قرار. وتحت عنوان «روح الحوار»، أعاد المنتدى الاقتصادي العالمي طرح السؤال الأهم: كيف يمكن للاقتصادات أن تنمو في عالم أكثر تجزؤًا، وأكثر تسارعًا، وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والطاقة والحوكمة؟ وقد جاء ذلك امتدادًا لما طرحته في مقالي السابق عن ما بعد دافوس 2026: الخليج في قلب التحول الاستثماري العالمي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح بنية تحتية استثمارية وسيادية تحدد موقع الدول في الاقتصاد الجديد.

واليوم، ونحن ننتقل من دافوس الشتوي إلى دافوس الصيفي في داليان بالصين، تتحول البوصلة من الحوار حول المخاطر إلى هندسة النمو. فالاجتماع السنوي للأبطال الجدد 2026، المعروف عالميًا باسم Summer Davos، ينعقد في داليان من 23 إلى 25 يونيو تحت شعار «الابتكار على نطاق واسع»، مع تركيز مباشر على ريادة الأعمال، والتقنيات الناشئة، ونماذج النمو الجديدة في الصين وآسيا والأسواق الصاعدة.

هذا الانتقال ليس زمنيًا فقط، بل استراتيجي. دافوس يناير ناقش كيف نعيد بناء الثقة في عالم مضطرب؛ أما دافوس الصيف فيطرح سؤالًا أكثر تنفيذية: كيف نحول الابتكار إلى إنتاجية، والتكنولوجيا إلى قطاعات، والاستدامة إلى ميزة تنافسية؟ وهنا تحديدًا تبرز أهمية الخليج، لا كمتلقٍ للتحولات العالمية، بل كمنصة قادرة على الربط بين رأس المال طويل الأمد، وأمن الطاقة، والتحول الرقمي، والتمويل المستدام.

ومن هنا يصبح الربط بين الذكاء الاصطناعي وESG ليس خطابًا تجميليًا، بل ضرورة مالية وتشغيلية. فالاستدامة اليوم لم تعد تقريرًا سنويًا، بل أصبحت لغة المخاطر، والتقييم، والتمويل، والحوكمة. ويظهر هذا التحول بوضوح من خلال الإفصاحات الأوسع عن انبعاثات النطاق الثالث، وتقديرات الانبعاثات الممولة وفق منهجية PCAF، وتوسيع نطاق قياس التعرض لمخاطر المناخ والطبيعة، بما يعزز الشفافية ويحوّل ESG إلى أداة قرار استثماري لا إلى التزام شكلي.

وهنا تكمن الرسالة التنفيذية الأهم لدافوس الصيف: المرحلة المقبلة لن تكافئ من يملك التقنية فقط، بل من يستطيع إدماج التقنية داخل رأس المال، والمخاطر، والطاقة، والحوكمة. فالابتكار على نطاق واسع لا يعني إطلاق مبادرات رقمية متفرقة، بل بناء منظومات قادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية، والبرمجيات إلى أصول، والشفافية المناخية إلى تكلفة تمويل أقل، والحوكمة إلى ثقة مؤسسية أعلى.

بالنسبة للخليج، هذه لحظة اصطفاف استراتيجي نادرة. فالمنطقة تمتلك الطاقة التي يحتاجها الاقتصاد الرقمي، ورأس المال الذي يحتاجه التحول الصناعي، والرؤى الوطنية التي تسمح ببناء قطاعات لا مشاريع. وإذا كانت سيارات المستقبل ستصبح برمجيات، فإن مدن المستقبل، وموانئ المستقبل، وبنوك المستقبل، وسلاسل الإمداد المستقبلية ستصبح كذلك منصات ذكية قابلة للقياس والتحديث والتمويل.

لهذا، لا ينبغي قراءة دافوس الصيف كحدث آسيوي بعيد، بل كنافذة على العقد القادم. فهو يضع سؤال التكنولوجيا في مكانه الصحيح: كيف نخدم الاقتصاد الحقيقي؟ وكيف نجعل الطاقة والمناخ مصدرًا للتنافسية؟ وكيف نخلق فرص عمل للجيل القادم؟ هذه الأسئلة الخمسة التي يطرحها برنامج الاجتماع تعكس انتقال النقاش العالمي من الوعود التقنية إلى نماذج التنفيذ.

المستقبل لن تكتبه الشركات التي تملك أكبر قدر من البيانات فقط، بل تلك التي تعرف كيف تحول البيانات إلى قرار، والقرار إلى رأس مال، ورأس المال إلى أثر مستدام. وفي هذه المعادلة، لا يقف الخليج على هامش التحول العالمي، بل في قلبه.


بقلم: د. عبير محمد شاهين