Dr Abeer Shaheen
ما بعد دافوس 2026: الخليج في قلب التحول الاستثماري العالمي


لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفًا تقنيًا، ولا مجرد موجة ابتكار عابرة. وقد حسم دافوس 2026 هذا الجدل نهائيًا.

فالرسالة التي خرج بها المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام كانت واضحة: الذكاء الاصطناعي أصبح قرارًا استثماريًا سياديًا، لا يقل أهمية عن قرارات الطاقة، أو البنية التحتية، أو الأمن الاقتصادي.

وفي لحظة عالمية تتسارع فيها المنافسة على رأس المال، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الدول ستتبنّى الذكاء الاصطناعي، بل كيف ستوظفه ضمن منظوماتها الاقتصادية لتحقيق نمو حقيقي ومستدام. وهنا تحديدًا، تقف دول الخليج أمام فرصة تاريخية.

في دافوس، لم تعد النقاشات تدور حول الابتكار ذاته، بل حول العائد.انتقل العالم من سؤال: «ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل؟» إلى سؤال أكثر واقعية: «كيف يمكن إدراجه ضمن الميزانيات، والمحافظ الاستثمارية، ومنظومات خلق القيمة طويلة الأمد؟»

هذا التحول في التفكير يعكس إدراكًا عالميًا متزايدًا بأن الذكاء الاصطناعي كثيف البيانات، عالي استهلاك الطاقة، ومرتفع التكلفة الرأسمالية، ما يجعل نجاحه مرهونًا ببيئات تمتلك استقرار الطاقة، ومرونة التمويل، ورؤية بعيدة المدى. وهي عناصر تتوافر في دول الخليج بصورة استثنائية.

يمتلك الخليج اليوم ثلاث ركائز نادرة الاجتماع عالميًا. أولها أمن الطاقة، الذي بات العمود الفقري للاقتصاد الرقمي. فالذكاء الاصطناعي يعتمد على مراكز بيانات ضخمة وقدرات حوسبة عالية، ولا يمكن فصله عن استراتيجيات الطاقة الوطنية. وقد أكد دافوس أن مساري الطاقة والذكاء الاصطناعي لم يعودا منفصلين، بل يشكّلان منظومة استثمارية واحدة.

أما الركيزة الثانية، فهي طبيعة رأس المال الخليجي، حيث تعمل المؤسسات الاستثمارية في المنطقة بمنطق رأس المال الصبور، والتخطيط طويل الأمد، والمواءمة مع الرؤى الوطنية، وهو ما يسمح بتوظيف الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية اقتصادية ومحرك إنتاجية، لا كتجربة رقمية مؤقتة.

وتتمثل الركيزة الثالثة في التحول العميق نحو الاستدامة. ففي دافوس 2026، لم تعد الاستدامة بندًا تنظيميًا، بل أصبحت معيارًا حاسمًا في اتخاذ القرار الاستثماري. فالمستثمرون اليوم يقيمون الأصول بناءً على مرونتها المناخية، وكفاءتها التشغيلية، وجودة حوكمتها، وقدرتها على الصمود مستقبلًا.

وبمعنى أدق: الاستدامة لم تعد تكلفة، بل أداة لتعظيم القيمة.

هذا التلاقي بين الذكاء الاصطناعي والاستدامة والتمويل أدى إلى ولادة نموذج استثماري جديد، بدأ يتشكل بوضوح في المنطقة: الأصول المستدامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وهو نموذج تُستخدم فيه التقنيات الذكية لتسعير المخاطر المناخية، وتحسين أداء الأصول، ورفع كفاءة رأس المال، وتعزيز شفافية تقارير الحوكمة البيئية والاجتماعية. وفي هذا النموذج، لا يزيد الذكاء الاصطناعي التكلفة التشغيلية، بل يحسّن جودة القرار الاستثماري ويرفع العائد طويل الأمد.

وقد كانت دروس دافوس واضحة: أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُدار من مجالس الإدارة لا من أقسام التقنية، وأن يُربط بعائد استثماري قابل للقياس، وأن يُدمج ضمن أدوات التمويل المستدام. وهو ما يعكس نضجًا متزايدًا في الفلسفة الاستثمارية الخليجية.

ما بعد دافوس 2026، لم يعد المطلوب من المؤسسات الخليجية إدارة محافظ تقليدية، بل الانتقال إلى توظيف ذكي لرأس المال قائم على تحليلات تنبؤية، وأطر ESG مدمجة، ولوحات أداء لحظية، وشراكات استراتيجية عابرة للقطاعات والحدود.

فالمؤسسات الرائدة لن تكتفي بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل ستستثمر من خلاله.

الخلاصة أن دافوس 2026 لم يكن منتدى للنقاش، بل نقطة تحول.

والفرصة أمام دول الخليج اليوم لا تكمن في اللحاق بالاقتصاد العالمي، بل في قيادة نموذج استثماري جديد يقوم على ذكاء اصطناعي يعزّز الإنتاجية، واستدامة ترفع التقييم، وطاقة تؤمّن النمو الرقمي، ورأس مال يحقق عائدًا وطنيًا وماليًا طويل الأمد.

فالمستقبل لن يُكتب لمن يمتلك التقنية الأعلى، بل لمن يوظفها بحكمة، واستدامة، وربحية. والخليج اليوم في موقع يؤهله لقيادة هذا التحول العالمي.


بقلم: د. عبير محمد شاهين

25 يناير 2025م