أسماء الكوهجي
للنجاح أكثر من طريق

منذ أن كنا صغارا لم نعرف سوى طريقا واحدا للنجاح ضمن معايير محدده وضعت سواء من أنظمة تعليمية أو وسائل الإعلام، وطبقها علينا الأسرة والأقارب، أو المعلمين والمجتمع بشكل عام، وكانت هذه المعايير تربط نجاحنا بشيء واحد هو.. درجاتنا الأكاديمية.

ولم يتوقف يوما أحد ليتساءل، هل هذا النظام التعليمي بمناهجه وأساليبه يتناسب فعلاً مع كل تلك الشخصيات المختلفة التي تجلس خلف مقاعد الدراسة؟

المناهج التي درسناها لم تصمم لتكتشف من أنت، بل صممت لتقيس قدرتك على الحفظ.. كتب تتجاوز أحياناً المائة صفحة يطلب منك حفظها ثم نسخها في ورقة الامتحان، وعلى هذا الأساس وحده يحدد نجاحك، فلا مكان للموهبة، ولا اعتبار للفروق الفردية.

وخرجنا إلى الحياة ونحن نحمل هذا المنطق نفسه، في العمل، صرنا نقيس نجاحنا بإنجاز ما طُلب منّا لا أكثر.. نحضر يوميا في الوقت ذاته وننصرف بعد انتهاء ساعات العمل، ونسلم المهام في التاريخ المحدد للتسليم.. وكان ذلك كافياً في زمن ما، ولكن اليوم العالم تغير، والمهم هو ليس هل أنجزت ما طُلب منك؟ بل هل أضفت شيئاً لم يُطلب منك أصلاً؟ نحن في عصر الابتكار، ومن يكتفي بالتنفيذ يجد نفسه يتراجع دون أن يدري.

وفي العلاقات، بقينا في القالب ذاته.. الزوجة الناجحة هي من تؤدي واجباتها، وتعتني بمظهرها، وتُجيد الطهي، وتكرس جهدها لإدارة المنزل وتربية الابناء. والرجل الناجح هو من يؤدي دوره البطولي الذي رسمه له المجتمع أو الذي يتحمل أعباء الحياة اليومية، فإن تعثرت العلاقة وانفصل الزوجان، حكم الناس بالفشل على أحدهما أو كليهما لكنهم يتجاهلون أن الفستان الجميل والبيت النظيف لن يعوض غياب الحوار حين تشتعل الخلافات، وأن الإنفاق وفرض السلطة وحده لن يُحقق الأمان النفسي حين تحتاج المرأة للدعم والاحتواء.

هذه الأشياء ضرورية نعم، لكنها وحدها لا تبي أسرة سعيدة ومستقرة، ما يبني هو ثقافة التقبل والانسجام، وفن التعامل مع الطرف الآخر واحتواءه في أصعب اللحظات، وهي مهارات لم يعلمنا إياها أحد، ولم يرد لها ذكر في قوائم النجاح التي تسلمناها يوماً.

ثم صرنا آباء، فكرّرنا ما عشناه، أردنا لأبنائنا أعلى الدرجات، وأبرز الأدوار في المسرح المدرسي، وأكثر الأنشطة قبولاً في الأوساط الرياضية.. وكنا نظن أننا نفعل ذلك حبا فيهم، وهذا صحيح جزئياً لكننا كنا نفعله أيضاً لنبدو آباء ناجحين في عيون الناس.. فأصبح نجاح أبنائنا مرتبطاً بصورتنا قبل أن يكون مرتبطاً بسعادتهم.

وهكذا، جيلاً بعد جيل، ظل النجاح شيئاً جاهزاً نطبق خطواته دون أن نسأل إن كانت تناسبنا؟! بغض النظر عن ميولنا، وقدراتنا، وطبيعة الحياة التي نعيشها. وبهذا ظلمنا أنفسنا حين وضعناها في قوالب جاهزة ويشار إلينا بأننا ناجحون.البشر لم يخلقوا متشابهين. فكيف يكون نجاحهم نسخة واحدة؟

رسالتي اليوم

إلى أبنائي وبناتي من الطلاب والطالبات، أولئك الذين لم تتصدّر صورهم صفحات الجرائد، ولم يلبسوا أكاليل الورد، ولم تذكر أسماؤهم في قوائم المتفوقين، ولم يقف لهم أحد مصفقا في حفلات التكريم لا تجعلوا من لحظة واحدة حكما على حياتكم كلها. فالحياة لا تختصر في نتيجة امتحان، ولا في صورة نشرت في الصحف، ولا في لقب حصل عليه غيركم.

وتذكروا دائماً ان للنجاح أكثر من طريق..


بقلم: الأستاذة أسماء الكوهجي
مدربة دولية - التنمية البشرية والقيادة